وأضافت المجلة الأسبوعية الفرنسية في تقرير لها، كتبه مراسلها في تونس، بنوا دلما، تحت عنوان “اهتزاز القلعة الإسلاموية في تونس”: “إن حركة النهضة، التي تم تقديمها في كثير من الأحيان باعتبارها نموذجا للانضباط والتنظيم، لم تعد قادرة على إخفاء صراعاتها الداخلية، والقرارات داخلها أصبحت تتخذ بالأغلبية بإصرار من راشد الغنوشي، مما فتح الباب أمام استقالة العديد من الوجوه التاريخية”.

وقال التقرير إن إدارة الغنوشي لحركته “في تراجع مستمر”، مشيرة إلى استقالة مستشاره السياسي ومدير مكتبه لسنوات عديدة، لطفي زيتون في يوليو 2019، التي اعتبرتها نوعا من احتجاج على طريقة إدارة الحركة.

استقالات

وتشهد حركة النهضة منذ نحو سنة العديد من الاستقالات في صفوف قيادات الصف الأول، من التيار المعارض لرئيسها راشد الغنوشي.

فقد قدم في مارس الماضي، عبد الحميد الجلاصي، أحد أبرز قيادات الحركة منذ الثمانينيات، استقالته احتجاجا على هيمنة الغنوشي على الحركة.

وقال الجلاصي في رسالة استقالته، التي نشرت في وسائل الإعلام المحلية، إن الحركة “لم تمر في تاريخها بمثل حالة المركزة الراهنة في الموارد والمصالح والقرار في الكبير والصغير، وبمثل حالة التهميش للمؤسسات والسفه في إدارة الموارد المادية والبشرية والتجويف للهياكل. والمركزية مورثة لكل الأمراض، ومنها أن تنتشر الشللية والتدخلات العائلية”.

وفي نوفمبر الماضي، استقال أمينها العام زياد العذاري “رفضا لخيارات الحزب في مسار تشكيل الحكومة”.

كما أعلن هشام العريض، ابن القيادي في الحزب ورئيس الحكومة الأسبق علي العريض، وزياد بومخلة، وهما من أبرز القيادات الشبابية، استقالتهما بتاريخ 14 يناير الماضي.

وقبل ذلك، كان مدير مكتب الغنوشي، زبير الشهودي، قد أعلن في سبتمبر 2019 استقالته من الحركة، مطالبا رئيسها بـ”اعتزال السياسة، وإبعاد صهره رفيق عبد السلام و”كل القيادات الذين دلسوا إرادة كبار الناخبين، في إقصاء مباشر لكل المخالفين في الرأي من نساء وشباب وقيادات تاريخية”.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي عبد الجليل معالي، في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية” أن حركة النهضة ”تعيش سلسلة امتحانات ومآزق عميقة وخطيرة، لن تخرج منها بلا أضرار أو جراح”.

واعتبر أن هذه “المآزق تعود إلى تناقض جوهري بين أدبيات الحركة، وبين ما يقتضيه العمل السياسي، فقد عجزت الحركة أن تتحول إلى حزب حقيقي، وظلت وفية إلى مرجعيتها بوصفها جماعة دينية تنهل من تراثها القديم وأدبياتها الإخوانية، وإن ادعت انفصالها عنها، لأن ذلك الانفصال كان انفصالا للتسويق السياسي التكتيكي”.

“انقسام الشورى”

وعرج التقرير الفرنسي على الانقسام الذي ساد داخل مؤسسات الحركة، على خلفية سحب الثقة من حكومة إلياس الفخفاخ، مشيرا إلى أن “مجموعة الغنوشي العائلية قررت بسرعة طي صفحة الفخفاخ نهائيا من خلال عقد مجلس الشورى”.

لكن النتائج أظهرت وجود عدد كبير من أعضاء الشورى ضد القرار، حيث صوت 54 عضوا مع مقترح الغنوشي وعارضه 38 آخرون، وقد بدا أن الانقسام أصبح “واضحا” داخل أعلى مؤسسة في الحزب، وفقا لمجلة “لوبوان”.

وقدم الفخفاخ استقالته في 15 يوليو الماضي، للرئيس قيس سعيّد، بعد خمسة أشهر فقط على توليه المنصب. وجاءت الاستقالة إثر إعلان حركة النهضة أنها قررت سحب الثقة منه على خلفية اتهامات في ملف تضارب مصالح.

وتنقل لوبوان أن النقاشات داخل المجلس كانت نارية وشاقة، لكن الغنوشي خلافا لما يقدمه من صورة الرجل الحكيم، فرض أهدافه السياسية، مشيرة إلى أنه “أسقط تلك الصورة التي حاولت الحركة رسمها لنفسها منذ عام 2015، باعتبارها عنصر استقرار الحياة السياسية في تونس، ليؤكد أن صرح التنظيم يتصدع”.

وتابع التقرير إن قرار إسقاط حكومة الفخفاخ “يعجل الرغبة في التغيير داخل الحركة، خلال المؤتمر المقبل”، ومن المتوقع أن يتخلى الغنوشي عن الرئاسة، وهو أمر يفرضه نظام داخلي، لكن الحركة لم تحدد حتى اليوم تاريخ المؤتمر، الذي من المفترض أن يعقد خلال العام الحالي.

ويشير الكاتب عبد الجليل معالي إلى أن “مسار الصراعات الداخلية للحركة يتطور باطراد، وهو تطور ينبع من أمرين: الأول هو تزايد هيمنة جناح الغنوشي على الحركة، والثاني هو الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في كشف ما يحدث داخل الحركة، مما أصبح يحول دون محاولة قياداتها إخفاء خلافاتها أو تأجيلها”.

تآكل القاعدة

ولفت التقرير الفرنسي إلى أن حركة النهضة قد خسرت الكثير من قواعدها الشعبية، بسبب إدارة الغنوشي، حيث لم تكسب في الاستحقاق الانتخابي الأخير في 2019 سوى 560 ألف صوت من مليون ونصف كانوا قد صوتوا لها في عام 2011.

وشددت المجلة على أن سياسات الغنوشي “أفقدت الحركة قاعدتها الجماهيرية”.

وفي هذا السياق، يقول معالي: “إن حركة النهضة التي تكابد من أجل التوفيق بين الوفاء لما تنتظره قواعدها الشعبية – وهي قواعد سلفية في أغلبيتها-، وبين الوفاء بالتزاماتها السياسية تجاه التجربة التونسية وتجاه ما يقتضيه ادعاؤها كونها حزبا سياسيا تونسيا، هي أمام اختبار مستمر لن يفرز إلا عن مزيد من التفجيرات الداخلية”.

واعتبر أن تلك “التفجيرات”، ستضع الحركة أمام “ضرورة الاختيار بين أن تكون حزبا سياسيا، وبين أن تظل جماعة دينية، وهو اختبار تعيشه منذ سنوات وبدأ يقضم من قواعدها التي هاجرت صوب تعبيرات سياسية شعبوية”.

وكانت حركة النهضة قد خسر سباق الرئاسة في انتخابات سبتمبر 2019، حيث نال مرشحها عبد الفتاح مورو 434 ألفا و530 صوتا وحل ثالثا، من مجموع الناخبين الذي تجاوز ثلاثة ملايين.

كما تراجع عدد مقاعدها في البرلمان من 89 مقعدا عام 2011، إلى 67 مقعدا في 2014، ثم 52 مقعدا في 2019.