د. سمير صالحة – تلفزيون سوريا

القناعة الدولية في التعامل مع الملفين اللبناني والسوري هي وجود توازنات محلية وإقليمية لم يعد من الممكن تجاهلها أو تجاوزها، روسيا تقود المشهد السوري وسط حضور أميركي وتركي وإيراني وأميركا تقود المشهد اللبناني وسط نفوذ روسي وتركي وإيراني أيضا. الفارق البسيط في لبنان هو الدور الفرنسي التاريخي الذي تراجع في العقود الأخيرة لصالح أميركا والذي يحاول العودة مجددا مع حكومة ماكرون الطموحة. سياسة الواقعية والعملية في الجانبين هي التي قد تقود إلى تفاهمات جديدة هذه المرة هدفها ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وسوريا وإسرائيل وتفتح الأبواب أمام تقاسم ثروات شرق المتوسط حيث تنتظر مليارات الأمتار المكعبات الغازية من يستخرجها ويستغلها.

الهدف هو تسريع ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل وبين لبنان وسوريا. المحرك هو الثقل الأميركي في بيروت إلى جانب النفوذ الروسي في سوريا والرغبة الإسرائيلية في إنجاز هذه الصفقة التي ستكون مقدمة لتحقيق إنجازات سياسية على جبهة المتوسط تستفيد من تجربة ودروس اتفاقية 17 أيار اللبناني الإسرائيلي عام 1983 بعد التحول الكبير على جبهة الخليج في العلاقة مع إسرائيل.

فريق عمل ترامب يسعى لتسجيل انتصارات انتخابية لكسب دعم اللوبيات اليهودية في أميركا. روسيا على استعداد لتفهم ما يريده ترامب الذي اتهم بالتنسيق معها في ملفات إقليمية عديدة والشرط هو احترام ما تقوله موسكو في سوريا وأن يصحب ذلك اتفاقيات أميركية روسية لبلورة تصور حل مشترك للأزمة السورية.

تحرك الوزير لافروف الذي أعقبه تحرك مماثل لنظيره بومبيو في المنطقة يمكن قراءته في إطار التحضير لتفاهمات أميركية روسية من هذا النوع يراد لها تحقيق إنجازات في الأسابيع المقبلة تحسم نتيجة الانتخابات الرئاسية قبل التوجه إلى الصناديق وتبعد فرص وحظوظ منافس ترامب المتشدد جو بايدن مما قد يرضي أنقرة وإيران أيضا.

الهدف الأول هو مفاوضات ترسيم حدود بحرية لبنانية إسرائيلية برعاية أميركية على مرأى ومسمع حزب الله الذي يدفع ثمن التطورات الأمنية والسياسية الأخيرة في بيروت. الهدف الآخر هو مفاوضات ترسيم حدود بحرية سورية لبنانية برعاية روسية على مرأى ومسمع إيران نتيجة الضغوطات الأميركية التي قدمت الغطاء والدعم اللوجستي الذي تحتاجه موسكو للوصول إلى هذه المرحلة.

انفجارات المرفأ في بيروت تحولت إلى فرصة لتحريك هذا السيناريو مجددا مع المعمعة الإقليمية الحاصلة واستغلال حالة الفوضى والتوتر لإنجاز اختراق استراتيجي بحري ثلاثي الأبعاد على خط بيروت – تل أبيب – دمشق: عزل حزب الله وإلزام إيران بعدم العرقلة وسط الظروف المحلية والإقليمية الصعبة التي يعيشانها في المنطقة.

تحرك تركي بالتنسيق مع روسيا لتوسيع دائرة خطط استخراج ونقل الطاقة عبر الخطوط الروسية التركية المشتركة في المتوسط المصحوبة بتفاهمات أوسع بين الدول المتشاطئة. مع احتفاظ فرنسا بحصتها في عمليات التنقيب والاستخراج والتصدير عبر شركاتها العالمية مقابل الجهود التي تبذلها والخدمات اللوجستية التي تقدمها. تعويم حزب الله لفترة زمنية أخرى بانتظار إيجاد المخرج الملائم لتسلم أطنان السلاح التي يملكها في لبنان وتقدم المتغيرات المحلية التي يشارك الرئيس نبيه بري في عملية إدارة ملفها نيابة عن الجميع في لبنان. وكذلك تعويم النظام في دمشق لإنجاز المطلوب منه على جبهة شرق المتوسط. ثم الانتقال إلى لعبة التفاهمات الكبرى في الملفين اللبناني والسوري.

عمل اللجنة الدستورية السورية وانتخابات رئاسية سورية جديدة بين الأدوات اللازمة لكسب الوقت وتسهيل المشروع الثلاثي الأبعاد القائم على مساومات حقيقية شاملة تنهي ملفات التأزم الدائم بين إسرائيل وجاريها اللبناني والسوري بعد الانفتاح العربي والخليجي الواسع على تل أبيب. الملفت هو تنظيم قمة عربية تعقد للتنديد بالمواقف التركية في المنطقة وتتجاهل الإشارة ولو بعبارة واحدة لما يجري من اتفاقيات خليجية مع إسرائيل. هذه هي حصة جامعة الدول العربية وهذا هو الدور الممكن أن تلعبه كما هو مطلوب منها في هذه المرحلة.

ما قاله وزير الدفاع اللبناني الأسبق إلياس بوصعب حول “أن لبنان يدرك رغبة سوريا في ترسيم الحدود البحرية، ويمكن لروسيا أن تتوسط في ذلك” لا يقارن بما أشار إليه الوزير جبران باسيل حليف حزب الله السياسي والذي وصف “الوساطة الأميركية بين بيروت وتل أبيب بالجيدة والمرحب بها”. كلام من هذا النوع كان سيكلفه الثمن الباهظ في الظروف العادية لكن الواضح هو أن ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وسوريا وإسرائيل قد يكون خشبة خلاص لأكثر من طرف لأن سلبيات استمرار تأزمه ستكون موجعة أكثر خصوصا وأن موسكو وواشنطن يضعان الجميع بين خياري النعيم والجحيم.

من ينقذ حزب الله من ورطته قد يكون ماكرون الذي ينصحه بالتعاون والانفتاح على كل ما يقال ويعد. حزب الله بتسمية جديدة ولباس سياسي وحزبي جديد يتكيف مع الحالة اللبنانية والواقع الإقليمي المقبل فرصته التي لا تعوض للبقاء أمام الطاولة اللبنانية. التنفيذ الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي لإعلان نتائج الانتخابات الأميركية وحزب الله بين خيارين أحلاهما مر في لعبة عض الأصابع هذه، إما القبول بما يقال له اليوم حول إطلاق يد الحكومة اللبنانية الجديدة وقبول نقاشات “العقد الطائفي” الفرنسي المطروح أو الرفض والمضي وراء خيار احتمال فوز بايدن كي يخرجه من ورطته. الكرة في الملعب الإيراني إذا لتحسم طهران موقفها إما أن تشعل المنطقة بأكملها ويكون الثمن هو الانتحار أو التراجع وانتظار معرفة ما سيجري على طريقة “لا تنام بين القبور ولا تشوف منامات وحشة”.

عن الكاتب