د. سمير صالحة – العربي الجديد

فشلت غالبية التكتلات والاصطفافات بين دول العالم الإسلامي في تحقيق أحلام شعوبها، على الرغم من مرور عقود على الوعود. خيارات التحالفات البديلة بأكثر من اتجاه وتوجه هي التي تطرح وتناقش منذ عقدين، من دون نتائج أيضا. الأخطر من ذلك أن عمليات الكر والفر تتواصل داخل الدول الإسلامية بهدف إفشال أي مشروع تكتلٍ أو هيكلية، لا تأخذ بالاعتبار ما يقوله الكبار ويريدونه. المقصود بالكبار هنا ليست الدول الإسلامية المؤثرة، بل اللاعبون الأساسيون الفاعلون إقليميا ودوليا من خارج العالم الإسلامي. هكذا بنيت المعادلات منذ عشرات السنين، وهكذا هي مستمرة على الرغم من خيبات الأمل على مستوى القيادات والقواعد.

كثر هم من ينتظرون تحرّك منظمة الدول الإسلامية لترجمة قرارات التحديث والتطوير والتفعيل، لتدافع بواقعية وعملية عن المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية لحوالي مليار ونصف المليار من المسلمين. لذلك تراجعت الفرص، واتسعت رقعة التباعد والتمزّق، وتحول حلم مساهمة هذه المنظمة في تعزيز الوحدة بين أعضائها إلى خيال وسراب. محاولة بناء أي تكتل بعد الآن تزداد صعوبة وتعقيدا، بسبب التوازنات الإقليمية والدولية القائمة، ونتيجة خيبة الأمل الشعبية الواسعة، وتراجع الرغبة الإسلامية السياسية في الذهاب وراء حلم من هذا النوع، أفضل الاحتمالات، حتى تقود إلى نتيجة أن كل ما يطرح بعد اليوم بين الدول الإسلامية تفاهمات ثنائية أو ثلاثية بطابع اقتصادي وتنسيق عسكري أو سياسي لن يتجاوز كثيرا الإطار العام المرسوم من اللاعبين الكبار ومصالحهم. نظرة خاطفة على تركيبات القمم والمؤتمرات وترتيباتهما، ومحاولة الاصطفاف بين الدول الإسلامية في العقد الأخير كافية لإيجاز صورة المشهد المتأزم والمتكلس والاحتراب القائم لتعطيل (وعرقلة) أية محاولة لا تأخذ بالاعتبار مصالح الأطراف الأخرى. مبادرات لفظت أنفاسها قبل أن تظهر إلى العلن في أكثر من عاصمة إسلامية، جديدها كان في ماليزيا وباكستان وأفغانستان والسعودية وتركيا وإندونيسيا.

قال رئيس وزراء ماليزيا، مهاتير محمد، للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان، عمران خان، قبل ثلاثة أعوام “علينا أن نفعل شيئا” من أجل العالم الإسلامي، لكنه أهمل التواصل مع الرياض والقاهرة وطهران ففشلت المحاولة. حاولت السعودية أن تتحرّك عبر مشروع “ناتو إسلامي”، إلا أنه لم يصل إلى نتيجة. اختبار أفغانستان أيضا مع باكستان وتركيا يراوح مكانه. هل من الممكن أن تبرز فرصة جديدة تؤسّس لتحالفات أعمق بين دول العالم الإسلامي، بعد استهداف “محاولة كوالالمبور” التي عقدت في نهاية عام 2019، بمشاركة تركية وماليزية وقطرية وإيرانية. ثم قطع الطريق لاحقا على تكتل إقليمي آخر، يجمع تركيا وإيران وماليزيا داخل منظومة إسلامية توحد 300 مليون نسمة، وثقل اقتصادي يصل إلى ثلاثة تريليونات دولار ونفوذ عسكري لا يضاهى

وقّع وزراء خارجية تركيا وباكستان وأذربيجان قبل أيام “إعلان إسلام أباد” الذي سيساهم في تعميق التعاون بين أطرافه في مجالات سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة. ظروف وأجواء القمة الأخيرة تختلف عن نتائج الاجتماع الثلاثي الأول المنعقد في باكو في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2017. طبيعة ملفات النقاش والمتغيرات الإقليمية وإعادة رسم خرائط الاصطفافات لها تأثيرها المباشر طبعا. لكننا لا نعرف كيف ستكون مسألة تنفيذ القرارات المتخذة والآلية التي ستشرف على ذلك، ولأيّ منها ستكون الأولوية في الخطط والمشاريع المتفق عليها حسب بيان القمة الثلاثي: “التصدّي للتهديدات التي تواجه المجتمعات المسلمة”، أم “مجالات الدفاع والأمن والتدريبات المشتركة والتقنيات الجديدة”، أو لخطط رفع مستوى التبادل التجاري “والاستثمار وإزالة الحواجز الجمركية وحماية الاستثمارات والطاقة والتعليم والسياحة والاتصال الثقافي وتكنولوجيا المعلومات”؟

ما قد يقرّب الدول الثلاث ليس فقط تشابه أعلامها والرموز على هذه الأعلام، بل كتلة بشرية تكاد تصل إلى 300 مليون نسمة وتريليون ونصف من الناتج المحلي السنوي و20 ألف دولار من مستوى الدخل الفردي ومساحة جغرافية تصل إلى مليون و666 ألف متر مربع وأكثر من مليوني جندي وسلاح نووي باكستاني وترسانة عسكرية تركية حديثة لقلب معادلات وتوازنات كثيرة.

الرغبة الثلاثية هي لعب دور التواصل داخل القارة الآسيوية ثم التحول إلى جسر عبور تجاري استراتيجي بين القارات المحيطة بين الأهداف الاستراتيجية المعلنة أيضا، فهل يساهم هذا التكتل بفتح أبواب جديدة من الحوار والتعاون الإسلامي أم سيقود إلى مزيد من الاصطفافات بين الدول الإسلامية؟ هل ستتجاهل إيران والهند والصين وإسرائيل خطوة استراتيجية من هذا النوع في قلب القارّة الآسيوية؟ لا بل هل يمكن أن يتحوّل التنسيق الثلاثي التركي الباكستاني الأذري الذي انطلق قبل ثلاثة أعوام إلى حلف آسيوي جديد يقرّب الجغرافية، ويوحد الأسواق والتجارة، ويدفع نحو التنسيق والتعاون السياسي والعسكري بين هذه الدول؟ تريد أنقرة أن تلعب أوراق موقعها ودورها بين آسيا وأوروبا باتجاه الذهاب والإياب على هذا الخط الاستراتيجي بين القارات والأسواق والنفوذ. ولإسلام أباد لها أكثر من مشكلة مع أكثر من دولة مجاورة إلى جانب أزماتها الاقتصادية. وتريد باكو أن تكون جاهزة للتحولات الاستراتيجية المحتملة في خريطة المصالح داخل بقعة جغرافية توجد فيها، وتجمع كثيرا من التناقضات والتشابكات وتضارب المصالح.

احتمال وارد أن يقول بعضهم إن التفاهم الثلاثي الذي يبحث لنفسه عن دور جديد هو عملية رد تركي باكستاني على الرياض التي أفشلت قمة كوالالمبور السداسية، وذهبت باتجاه الرد عبر توقيع اتفاق إنشاء “مجلس تعاون استراتيجي” مع الهند. وأن التقارب السعودي الهندي هو الذي يدفع باكستان إلى الانفتاح أكثر على إيران، والتنسيق المتزايد مع تركيا، وأن العقبتين، الإيرانية والهندية، في كل هذه التوازنات مهمة ومؤثرة، خصوصا أن باكستان بدأت تنفتح أكثر على الصين وأميركا وروسيا. ويحمل التطور أخيرا باتجاه المصالحة الخليجية الردود على تساؤلاتٍ كثيرة، وقد يعني أن أبواب هذا التكتل الثلاثي ستكون مشرعةً ليس فقط أمام أفغانستان، المرشّح الأقرب، بل أمام السعودية وقطر وماليزيا ضيوفا جددا لربط كل خطوط التواصل والاتصال الاستراتيجي بين القارّة ومناطق الصراع والنفوذ المجاورة. هناك من عليه التذكّر دائما أن العلاقات السعودية والقطرية والماليزية مع باكستان بقيت، على الرغم من كل شيء، انفتاحية متوازنة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وأن هذه الدول دافعت عن حقوق باكستان في امتلاك السلاح النووي في لعبة التوازنات المحيطة بها. الأولوية هي لأفغانستان، بحسب مضمون البيان الختامي للقمة، والانفتاح على كابول، بسبب مواقفها الإقليمية، لكن الأبواب لن تكون موصدة بوجه قطر والسعودية وماليزيا وإندونيسيا في المرحلة اللاحقة، إذا ما قرّرت هذه الدول الانفتاح على هذا التكتل.

المشكلة الواجب تجاوزها الآن، وبعد نظرة خاطفة على البيان الختامي لقمة إسلام أباد والمواقف السياسية المعلنة، هي إعطاء الأولوية لأربع أزمات تقلق الدول الثلاث، كاراباخ وكشمير وقبرص وشرق المتوسط. على من يريد الالتحاق بهذا التكتل أن يتبنّى مواقف سياسية تتوافق مع ما تقوله الدول الثلاث في هذه القضايا أولا، وأن يطرح تصوّرا إقليميا لا يبتعد عن المواقف المعلنة في قمتي باكو وإسلام أباد ثانيا.

لكل طرف من العواصم الثلاث أسبابه السياسية والاقتصادية والأمنية في البحث عن متنفس استراتيجي جديد، يخرجه من أزماته، ويقوّي مواقفه في الداخل والخارج، فهل تكفي عملية تقارب ثلاثي من هذا النوع، لتكون نواة لتأسيس تحالف أمتن، وربما أوسع في السنوات المقبلة؟ ستبقى الأعين مشدودة نحو السعودية، بعد إنجاز المصالحة الخليجية، بوصفها ثقلا إسلاميا وازنا لا يمكن تجاهله.

 

عن الكاتب