ترك برس

تشهد تركيا منذ أيام، جدلاً ساخناً يدور حول “اتفاقية مونترو” الدولية والمتعلقة بالمضائق البحرية التركية، وذلك منذ إصدار ضباط متقاعدين من القوات البحرية، بياناً يطالبون فيه الحكومة بالتراجع عن شق قناة إسطنبول المائية، إلى جانب مطالب أخرى لاقت رداً رسمياً وشعبياً قاسياً، الأمر الذي طرح تساؤلات حول العلاقة بين القناة والاتفاقية المذكورتين.

بيان الضباط المتقاعدين، الذي صدر بعد منتصف ليل الأحد الماضي، حذّر من محاولة طرح اتفاقية “مونترو” موضوعًا للنقاش، واعتبروها الوثيقة الأساسية لأمن الدول المشاطئة للبحر الأسود.

ودعا البيان، القوات المسلحة التركية إلى الحفاظ على القيم الأساسية للدستور، كما دان الجهود الرامية إلى إظهار الجيش وقوات البحرية بعيدين عن المسار المعاصر الذي رسمه مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك.

بدورها، اعتبرت الحكومة ومنظمات مجتمع مدني تركية، البيان المذكور بمثابة “إيحاء بانقلاب” لا سيما وأن أسلوبها وتوقيت نشرها، يشبه إلى حد كبير، البيانات العسكرية التي سبقت الانقلابات في البلاد.

** اتفاقية مونترو

اتفاقية مونترو هي اتفاقية دولية وُقِّعت في سويسرا عام 1936، من قبل حكومات تركيا وبريطانيا وفرنسا واليونان والاتحاد السوفيتي وبلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا واليابان وأستراليا، لتنظيم حركة مرور السفن عبر مضيقي البوسفور والدردانيل التركيين، وتشتمل على 29 بنداً و4 ملحقات وبروتوكول واحد.

وأعطت الاتفاقية أنقرة الحق في السيطرة على المضايق البحرية الواقعة في نطاق سيادتها وتسليحها، على أن تكفل حرية المرور التامة للسفن التجارية التابعة لكل بلدان العالم في أوقات السلم والحرب، وأن يُسمح بمرور السفن الحربية للدول المطلة على البحر الأسود دون أي قيود.

بالإضافة إلى ذلك، تحدد الاتفاقية رسوماً منخفضة نسبياً يمكن لتركيا تحصيلها من السفن التي تمر في مضايقها وأهمها البوسفور والدردنيل، وهنا تأتي أهمية “قناة إسطنبول” التي تعتزم أنقرة شقّها لتكون قناة موازية لمضيق البوسفور الرابط بين البحر الأسود وبحر مرمرة.

وبالإضافة إلى أن القناة المزمع شقّها ستخفف الضغط كثيراً على البوسفور، فإنها لن تكون مشمولة في اتفاقية مونترو، وبالتالي يمكن لأنقرة تحديد الرسوم بحرية أكبر، على السفن التي تود المرور من القناة الجديدة.

وتذهب بعض التقديرات إلى أن “قناة إسطنبول” يمكن أن تجلب إلى تركيا عوائد تصل قيمتها إلى 8 مليارات دولار، حال مرور ما يقرب من 185 سفينة يومياً منها حسب الخطط والتوقعات الحكومية، وهو مبلغ ضخم من شأنه تعويض تركيا عمّا تخسره بسبب الرسوم المنخفضة لعبور السفن من “البوسفور”، وفقاً لاتفاقية مونترو، بحسب تقرير لـ “TRT  عربي.”

انطلاقاً من ذلك، أكّد أردوغان أن ربط “قناة إسطنبول” باتفاقية مونترو لا أساس له من الصحة، وأوضح: “ربط قناة إسطنبول البحرية باتفاقية مونترو خطأ كبير، فالقناة ستخفف العبء عن المضايق، وستتيح لتركيا بدائل سيادية أخرى بمعزل عن القيود التي فرضتها اتفاقية مونترو”.

أردوغان لفت أيضاً إلى أن بلاده ليست لديها أي نوايا في الوقت الراهن، للخروج من الاتفاقية، بل تحدّث بإيجابية عن أهمية المكتسبات التي حققتها تركيا من اتفاقية مونترو التي “ستواصل أنقرة التزامها” طالما كان في ذلك تحقيق لمصالحها.

على الرغم من إيضاح المسؤولين الأتراك وعلى رأسهم أعلى هرم السلطة، عن عدم وجود نوايا للخروج من الاتفاقية، فقد قوبِل بيان الجنرالات المتقاعدين بغضب رسمي وشعبي بالغ.

كما أوقف الأمن التركي 10 مشتبه بهم في إطار تحقيقات النيابة العامة على خلفية البيان الذي وقّعه 103 جنرالات بحريين سابقين برتبة “أدميرال”، وذكرت النيابة العامة في بيان أنها فتحت تحقيقاً بخصوص البيان المنشور تحت عنوان “بيان مونترو من 103 أدميرالات” على بعض المواقع الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، بتهمة “الاتفاق على ارتكاب جرائم ضد أمن الدولة والنظام الدستوري” بموجب المادة 316/1 من قانون العقوبات التركي.

فما الأسباب الحقيقية للغضب إذن؟

الأمر في الحقيقة لا يتعلق بمضمون البيان الذي يمكن أن يكون موضوعاً للنقاش الفني حول أهمية كل من اتفاقية مونترو وقناة إسطنبول، بقدر ما هو مرتبط بآلية الطرح الذي خرج في صيغة بيان موقّع من قادة عسكريين سابقين بلهجة تهديدية، وهو ما يعيد إلى الأذهان التاريخ السيئ لتدخل العسكريين في الحياة السياسية التركية والانقلابات التي ذاقت الجمهورية ويلاتها على مدار عقود.

تلك النقطة عبّر عنها الرئيس التركي بوضوح في كلمة ألقاها ردّاً على البيان الذي اعتبره “يتضمن تلميحات انقلابية.. وناجماً عن نيات سيئة” لموقّعيه.

وأضاف أردوغان أن مثل هذه الخطوات وإن كانت صادرة عن ضباط متقاعدين، تعد “إساءة كبيرة للقوات المسلحة التركية”، مشيراً إلى أن “جميع الهجمات التي استهدفت الديمقراطية في تركيا جاءت عقب مثل هذه البيانات”.

على نحو أوضح، نوّه الرئيس التركي إلى أن بعض الضباط الموقعين على البيان، أدلوا بتصريحات مشابهة منذ فترة طويلة عبر وسائل الإعلام، ولم يتعرضوا لأي مضايقات من قِبل الدولة، إذ إن تلك التصريحات تندرج تحت بند حرية التعبير “أمّا إصدار بيان في منتصف الليل فهو سلوك يعبر عن نيات سيئة”.