د. علي حسين باكير – عربي 21

أثار بيان مجموعة من العسكريين الأتراك المتقاعدين صدر منتصف ليل يوم السبت الماضي حالة من الجدل داخل تركيا وعاصفة من ردود الفعل في البلاد على المستوى الرسمي والشعبي، نظراً لما تضمّنه البيان من إشارات تثير الحساسية إزاء احتمال عودة العسكر إلى السياسة في تركيا بالتزامن مع التحضيرات التي تجرى لإحياء الذكرى الخامسة للانتصار على الانقلاب العسكري الذي تمّ في ١٥ تموز (يوليو) من العام ٢٠١٦، ووضع حداً لعقود طويلة من الانقلابات العسكرية ونفوذ المؤسسة العسكرية وتدخلها في الحياة السياسية في البلاد. 

البيان يحذّر الحكومة بشكل أساسي من انسحاب تركيا من إتفاقية مونترو لعام ١٩٣٦ والمتعلّقة بحقوق وتنظيم الملاحة في الممرات المائية التركية، البوسفور والدردنيل تحديداً.

هذا التحذير ينبع بشكل أساسي من تعليقين سابقين لمسؤولين: 

الأوّل هو رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان الذي سبق له أن قال أثناء إعلانه عن مشروع “قناة إسطنبول” إنّ القناة ـ التي تعتبر المشروع الأضخم في القرن الحادي والعشرين والتي من شأنها أن تُكلّف حوالي ١٠ مليارات دولار (البعض يرفعها إلى ٢٥ مليارا) وتشق ممراً مائياً موازيا لمضيق البوسفور ـ ستكون متحرّرة من قيود اتفاقية مونترو. ليس من الواضح كيف من الممكن أن يتم الاستفادة من ذلك في ظل خضوع مضيق الدردنيل لاتفاقية مونترو.  

أمّا التصريح الثاني، فهو لرئيس البرلمان التركي الذي أشار فيه إلى أنّ صلاحيات الرئيس الدستورية تخوّله أن يقرر بشأن انسحاب تركيا من أي من الاتفاقيات الدولية، وذلك تعقيباً على انسحاب أنقرة مؤخراً من اتفاقية إسطنبول والزوبعة الداخلية والخارجية التي رافقت هذا القرار. 

الموقف من بيان العسكريين 

وفي هذا السياق، أثار البيان الذي وقّع عليه ١٠٤ أدميرالات بحريّين متقاعدين من القوات المسلّحة التركية نقاشاً على ثلاثة مستويات في الداخل التركي: الأوّل ذو طابع سياسي ويتعلق بردود فعل السلطة والمعارضة وما ينسحب على تلك الردود لناحية الاستقطاب الداخلي وعودة شبح تدخّل العسكريين في الحياة السياسية والانقلابات العسكرية. 

السلطة وأنصارها رفضت البيان رفضاً قاطعاً وهاجمت الموقّعين عليه وذهب البعض إلى اعتباره بمثابة تذكير بالانقلابات العسكرية نظراً للطريقة التي خرج بها والتي تطلّبت تشاوراً وتنسيقاً بين عدد كبير من الموقعّين بما لهم من تأثير معنوي وربما عملي داخل المؤسسة العسكرية علاوةً على احتمال وجود صلات خارجية، وأخيراً لتطرّقه إلى مواضيع سياسية-قانونية لا يُفترض لعسكريين متقاعدين أن يتدخلوا فيها، سيما في ظل الحساسيّة الكبيرة من دور العسكريين في الحياة السياسية في تركيا وعدد الانقلابات الكبير التي قاموا بها ضد السلطة الشرعية منذ العام ١٩٦٠، والضغوط الدولية التي تُمارس ضد تركيا مؤخراً ومنها تصريح بايدن قبيل انتخابه والذي أشار فيه إلى أنّه سيطيح بالحكومة التركية. 

أمّا المعارضون، فقد استغلوا الحدث أيضاً، وبالرغم من إدانة البعض للبيان، إلاّ أنّهم ارتأوا بشكل عام أنّ السلطة بالغت في رد الفعل. وذهبت شريحة واسعة من المعارضة ومناصريها للدفاع عن هؤلاء باعتبارهم يبدون رأيهم في شأن عام وهو أمر يكفله الدستور التركي لجميع المواطنين الأتراك وبأي شكل كان طالما أنّه لا ينتهك أي قانون.

وفي ما يتعلّق بالنقاش الثاني فهو يرتبط بمشروع القناة نفسه وتكلفته المالية وجدواه والغرض الأساسي منه في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية والوضع المالي الذي يشهد تدهوراً مستمراً لسعر صرف العملة المحلّية الليرة التركية منذ العام ٢٠١٨، وسط عزوف المستثمرين الأجانب عن تحويل المزيد من الاستثمارات مقارنة بما كان عليه الوضع قبل تلك الفترة. 

ومن الجدير بالذكر في هذا المجال، أنّ بيان المتقاعدين العسكريين لا ينتقد بشكل مباشر صلاحيات رئيس الجمهورية وقدرته على سحب تركيا من الاتفاقات الدولية فقط وإنما مشروع القناة أيضاً. وهذا شق سياسي يتوافق مع رؤية المعارضة السياسية في البلاد والتي ترفض هذا المشروع.

الموقف من اتفاقية مونترو

أمّا النقاش الثالث والأهم فهو يتعلق باتفاقية مونترو، وهو نقاش تفادته الغالبية نظراً للتعقيدات التي تكتنفه. في تعليقه على بيان المتقاعدين العسكريين، أكّد رئيس الجمهورية أنّ تركيا ملتزمة باتفاقية مونترو، وأنّ بلاده لا تخطط حاليا للانسحاب منها، مشيراً إلى أنّها تعدّ مكسباً لتركيا في الوقت الذي تمّ فيه التوقيع عليها مضيفاً أنه “إذا اقتضت الحاجة فلن نتردد في إعادة النظر في أي اتفاقية حتى نحصل على الأفضل”.

وفي حقيقة الأمر، تعكس اتفاقية مونترو عام ١٩٣٧ موازين القوى التي كانت قائمة آنذاك، إذ إنّها منحت الاتحاد السوفييتي أفضليات لكنّها أعطت تركيا مزايا مهمّة في ما يتعلق بالسيادة على الممرات المائية مقارنة باتفاقية لوزان التي قوّضت السيادة التركية عليها. في المقابل، فرضت الاتفاقية قيوداً لاسيما من الناحية العسكرية أيضاً في ما يتعلق بنوع السفن التي يسمح لها بالمرور من البحر المتوسط/ بحر إيجة إلى البحر الأسود عبر بحر مرمرة من خلال مضيقي الدردنيل والبوسفور وقت السلم والحرب، وما يتعلق بوزن السفن ومدة بقائها داخل البحر الأسود وآليات إخطار تركيا والدول التي تقع على البحر الأسود. 

الاتفاقية بشكلها الحالي مناسبة جداً لروسيا لأنّها تمنع دخول الغواصات وحاملات الطائرات بشكل مطلق بالإضافة إلى السفن الحربية ذات الأوزان الثقيلة التي تزيد على ١٥ ألف طن للدول التي لا تقع على البحر الأسود، وهذا يعني إعطاء موسكو أفضلية ليس على دول البحر الأسود فحسب بل لناحية منع أي دول أخرى من التدخل، وبدت تداعيات مثل هذا الأمر واضحة عندما احتلت روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية عام ٢٠١٤ وضمتها إليها لتزيد من نفوذها البحري في البحر الأسود ومن تهديداتها لعدد من الدول المطلة على البحر دون قدرة الولايات المتّحدة أو الناتو على التدخل هنا بحرياً. 

في المقابل، تقوّض الاتفاقية من نفوذ الولايات المتّحدة وكذلك حلف شمال الأطلسي لأنّها تحد بل وتمنع في كثير من الأحيان مرور ـ فضلاً عن التواجد ـ السفن الحربية في المنطقة وفقاً للمعايير الواردة في الاتفاقية. وبالنسبة إلى الجانب التركي، فإنه بالرغم من المزايا التي أعطتها لتركيا إلاّ أنّها حرمتها من الحصول على عوائد مجزية للسفن التي تمر فضلاً عن حرمانها كذلك من دخول سفن الدول الأخرى ذات الأوزان الثقيلة. وظلّت تركيا تستخدم الاتفاقية بشكل حذر للحفاظ على مزاياها، مع تحقيق التوازن الجيوبوليتيكي المطلوب إزاء التوازنات الدولية لاسيما روسيا والولايات المتّحدة. 

المثير في الموضوع أنّه في ظل الجدل الذي أثاره بيان العسكريين المتقاعدين بخصوص خطورة الانسحاب من الاتفاقية، فإنّ صلاحية الاتفاقية كانت قد انتهت عملياً بعد ٢٠ سنة من دخولها حيز التنفيذ عام ١٩٣٦ وهذا بموجب نص الاتفاقية نفسه. 

هذا يعني أنّه كان من المفترض أن يتم إنهاء العمل بالاتفاقية في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ١٩٥٦، لكن ذلك لم يحصل لعدّة أسباب لعل أهمّها أنّ الاتفاقية تنص على ضرورة قيام إحدى الدول الموقعة عليها بإرسال نص إنهاء العمل بالاتفاقية إلى دولة الإيداع التي هي في هذه الحالة فرنسا. بعدها، يستمر العمل بالاتفاقية لمدة عامين قبل أن يتم إنهاؤها، الأمر الذي يفترض كذلك اجتماع الدول الموقعة عليها لمناقشة اتفاق آخر. 

حتى الآن لم تقم أي من الدول الموقّعة بإطلاق عملية الإنهاء، فلكل منها مصالحها في الإبقاء عليها والولايات المتّحدة ليست طرفاً في الاتفاقية حتى تقوم بإطلاق هذه العملية إن إرتأت ذلك. فضلاً عن هذا، فقد علّقت فرنسا رسمياً قبل عدّة أيام على الموضوع مشيرة إلى أنّها ملتزمة بالاتفاقية. 

بالنسبة إلى تركيا، طالما أنّه لم يتم مناقشة شيء يُعطي أنقرة سيادة مطلقة وامتيازات أكبر من إتفاقية مونترو على هذه المضائق البحرية، فمن المستبعد أن تقوم هي بإلغائها أو الانسحاب منها. لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تمّ ربط الموضوع بقناة إسطنبول؟ 

ربما تحاول الحكومة التركية اختبار رد فعل الدول الكبرى على الموضوع أو دفعهم إلى الاستثمار في بناء قناة إسطنبول على اعتبار أنّ ذلك قد يعطي الدول الكبرى المستثمرة مصالح مهمّة في حال تمّت إعادة مناقشة مصير الاتفاقية والملاحة حول المضائق التركية مستقبلاً، سواءً الصين أو أمريكا أو روسيا أو حتى الاتحاد الأوروبي. 
 

عن الكاتب